السبت, تشرين2/نوفمبر 18, 2017

رئيس مجلس الإدارة :حسين زين رئيس التحرير :خالدحنفى

15492385_1432515603426590_4923929419407302493_ntt.jpg

فى مجموعتها القصصية الأحدث "حائط غاندي"(2016) تنسج الروائية والقاصة الدكتورة عزة رشاد جدارية واسعة، وحداتها 22 قصة قصيرة على مدى 156 صفحة من القطع المتوسط. فى إتقان ودربة من يستخدم خيوط الحرير تنسج الكاتبة قصصها، فيمتزج فيها الواقع والخيال، وتتداخل الأزمنة، وينفتح السرد على التناص الأدبى والتاريخي، دون تزيد أو افتعال. تنفصل قصص المجموعة من حيث اختلاف المضمون وتنوع تقنيات السرد، ولكن يربطها خيط فكرى وإنسانى وإحساس مرهف بالهم القومي، تتوارى ملامحه فى ثنايا النصوص.
تُستهل المجموعة بقصة "رسائل بظهر الغيب". تحفل القصة بقدر كبير من التناص الأدبى والتاريخي، الذى توظفه الكاتبة ببراعة فائقة ودربة كبيرة على التحكم فى خيوط السرد. تبدأ القصة باستدعاء "بوسطجى يحيى حقي"، فيبدو كإله من آلهة الأولمب فى الميثولوجيا الإغريقية القديمة، يحمل فى حقيبته رسائل تحدد مصائر البشر: "… يوزع أظرفًا مغلقة، لكن بمجرد تسليمها للمرسل إليه، يدرك "البوسطجي" من ملامحه وأفعاله ما كان يحمله له: هناك جوابات تُفرح الناس، وأخرى تفعل العكس، يتنهد البوسطجى … الحقيبة أكبر من حجمها، الحقيبة مستودع أسرار". ينفتح السرد على مشاهد إنسانية مختلفة، تتنقل الكاتبة بينها فى كادرات منفصلة، كمشاهد سينمائية. فمن الفتاة التى تبتاع حقيبة بيضاء تحرص أن يكون بها جيب سرى تخبئ فيه شريط حبوب منع الحمل، إلى جوف التاريخ حيث "يفتح غاندى مخلاته" ويطيَّر حمامة، ظلت شريدة سنوات قبل أن تجد من يستقبل رسالتها". ترتد الكاميرا إلى الحاضر لتقرن مخلاة غاندى ببقجة من الدمور "تحملها المرأة الأربعينية بيد وبالأخرى تمسك بيد ابنتها أم ضفيرتين طويلتين، وتقطعان طريقًا رفيعًا بين الغيطان فى غبشة الفجر... ينتهى بافتراقهما عند باب المدرسة". فى الظهيرة تستقبل الأم ابنتها عند باب المدرسة، بينما تمد يدها بالمناديل الموجودة فى "البقجة الدمور" تبيعها للمارة. تعود الكاميرا لتلتقط مشهدًا واسعًا فى المنتزه العامة، يظهر فيه الجميع: فتاة الحقيبة البيضاء وبائعة المناديل وابنتها، وعجوز، لم يحتمل عقله قسوة الزمان، يصحب حفيده وقد أعد له حقيبة من طعامه الشهى المفضل، وشابا مثقفا يرتدى نظارات طبية سميكة، مغدور فى حبه، يتمرد على تصديقه لرومانسية جوته فى زمن "نيرون"، فيمزق خطاباته الغرامية وأشعاره، التى أعادتها له الحبيبة واضعة النهاية لعلاقتهما. يدوس الفتى أوراقه بقدميه، فيراها العجوز زهورًا داستها الأقدام. يعود السرد إلى إله الميثولوجيا الإغريقية القديمة – بوسطجى "يحيى حقي" - وقد تشابكت الخيوط فى يده، فاختلطت مصائر البشر: "كانت سيدة المناديل الورقية ما زالت تدور، فيما توقف بوسطجى يحيى حقى فى مكان وزمان بعيد وفتح الرسائل لتسرية الوقت، لكنه عجز عن إغلاقها فاشتبكت الحكايات واختلطت المصائر". بيد أنه فى النهاية يخضع الجميع لمصير واحد – الموت بقنبلة "منزلية الصنع" فى حقيبة "نيرون"، يدسها إرهابي، تحت مقعد من مقاعد الحديقة العامة: "أُغلق المنتزه الآن لأن هناك من تسلل ووضع بين صفوف المقاعد الخشبية حقيبة "نيرون". كان بداخلها قنبلة منزلية الصنع حسب خبراء المتفجرات. وجدوا بجوار الأشلاء بقايا بقجة دمور، وعدسات طبية سميكة وشريط من حبوب منع الحمل، وورد دهسته الأقدام".
فى قصتها "حائط غاندي"، التى منحت المجموعة عنوانها، تستحضر الكاتبة مرة أخرى شخصية غاندي، بقلبه الذى يتسع لكل البشر، حتى العصاة منهم. تمنت الفتاة أن يكون لها "جسد "كلوديا كاردينالي" وعقل "أينشتين" وقلب "المهاتما غاندي"". حرمتها الأمومة من جسد "كلوديا كاردينالي" وحرمها الإخفاق المتعدد فى الحصول على الدكتوراه من عقل "أينشتين"، ولكن منحها القدر قلب "غاندي". خطف طفل حقيبتها بينما تهم بدخول سيارتها، رأته تصدمه سيارة وهو قابض على الحقيبة، فلم تترد فى نقله بسيارتها إلى أقرب مستشفى، رغم اختفاء الحقيبة: " حملت، بصعوبة، الصبى وسارت نحو سيارتها، وضعته على الكرسى فيما ذراعه لا تزال مثنية إلى صدره عدا أن الحقيبة لم تكن موجودة، تحيرت لحظة: هل تنزل لتبحث عنها؟ هل تدور بالسيارة؟ لكن رؤيتها لارتجافه وشحوبه جعلتها تحسم أمرها، أدارت السيارة باتجاه المستشفى ثم... ابتسمت لغاندي".
يعود غاندى يلح على الكاتبة فى قصتها "رسالة علياء"، ليقف فى مقابلة صارخة مع الإرهاب الذى لا يعبأ بأن يتلقى الأطفال رصاصاته: "الدراجة الهوائية... تسابق – فى مشوارها القصير – السيارات فتسبقها، وتصدم حائط غاندى ويدخلها الهواء المُنعش من كل الجهات، فيرتفع هرمون الأدرينالين لدى سائقها الشاب محققًا نوعًا من النشوة، لن تنسيه أن يُحكم ضم أطراف لثامه التى طيَّرها الهواء". ويكشف السرد أن حائط غاندي، الذى صدمه قائد الدراجة الهوائية، يتماهى مع طفلة أصابها رصاص ذلك السائق، الذى لم يكن سوى قناص إرهابى استهدف أحد الجنود: "عندما وصل الباص كان الباب الخلفى لسيارة الإسعاف مفتوحًا لاستقبال المحفة التى كانت الملاءة فوقها تغطى جسدًا صغيرًا، فيما راح يتأملها شخص "بلباس ميري" جالس على حافة الرصيف، يتنفس بصعوبة، لم يُصدق بعد أنه كان مستهدفًا وأنه نجا، فقط يتذكر "علياء" ابنة جيرانه الصغيرة التى طالما تبرم من صخبها ودبدبتها على السُلم، لم يسمعها وراءه هذه المرة ولم يتصور أن مريولها المدرسى الصغير سيتلقى كل الطلقات التى كانت موجهة إليه عندما رأى فوهة الرشاش يصوبها نحوه المُلثم سائق الدراجة الهوائية، فبرك على الأرض".
تتواصل قصص المجموعة وتتصل بإدانتها لقسوة الواقع وخسة الإرهاب وشتى أشكال المعاناة الإنسانية، من فقر وخوف، وقهر عام وآخر خاص تعانيه المرأة فى مجتمع ذكوري. تنتهى المجموعة بقصة "الشارع" وفيها يومئ السرد إلى أن من يملك الحقيقة إما يخشى البوح أو هو أخرس عاجز عن الإفصاح. ولكن مهما كانت محاولات طمس الحقيقة ومحو صور الشهداء وتضحياتهم، فهم يستعصون على الموت ويحيون فى ذاكرة وطن لا ينساهم. يدور السرد حول طبيبة تذهب إلى حى عشوائي، بحثًا عن سبب ما أصاب مريضها بحالة من الذعر. تعرف أن أم فاروق، بائعة الجرائد، وحدها من شهدت الواقعة، ولكن حين تصل إليها، بعد مشاهدات من الفقر والبؤس لسكان المنطقة، تجدها خرساء عاجزة عن البوح، ولكنها تشير إلى الحائط الذى أصيب عنده الرجل بالذعر. وتتكفل امرأة أخرى بمساعدة الطبيبة فى الوصول إلى الحائط المشار إليه، وتطلعها على روايتها الخاصة للحقيقة: "كان حسب روايتها، مكلفًا بإعادة طلاء الجدار، راح يسكب الألوان بغزارة على الكلمات وخطوط الوجوه المرسومة قبل شهور وبعد أن محاهم تمامًا أحس فجأة بهم "بلحمهم ودمائهم" يبرزون من داخل الجدار ويتحركون باتجاهه، فهوت من يده صفيحة البوية، رمى بالفرشاة وجرى مذعورًا".
تكشف كل قصة من قصص المجموعة عن ثراء خاص وبراعة فائقة فى التحكم فى خيوط السرد وتوظيف تقنياته، تستحق معه دراسة منفردة وقراءة مستفيضة، مما تعجز عنه تلك المساحة المحدودة. بمجموعتها "حائط غاندي" تتبوأ الدكتورة عزة رشاد مقعدًا وثيرًا بين أساطين القصة القصيرة فى العالم، وتستحق أرفع الجوائز.