الجمعة, أيلول/سبتمبر 22, 2017

رئيس مجلس الإدارة :حسين زين رئيس التحرير :خالدحنفى

khaledesm.jpg

هذه أيام نحتفل فيها بذكرة اثنين من أهل الموسيقى "العربية"، و"المصرية"، ولعل القارئ يندهش من التفرقة بين "العربية" و"المصرية"، والفارق أو التفرقة هنا تقوم على أساس الدورة والظروف الاجتماعية والسياسية لكل واحد منهما، إنهما: السيد درويش ومحمد عبدالوهاب. الأول ظهر فى ظل بلد محتل من جانب الإنجليز، وشعب نفض تراب المهانة عن نفسه وثار ثورة عارمة فى مارس 1919، وقدم آلاف الشهداء فى العاصمة الاولى "القاهرة" والثانية "الاسكندرية"، وفى القرى والمدن فى الدلتا والصعيد والصحارى، وكانت ثورة السيد درويش فى الموسيقى ثورة هوية تتواكب مع ثورة الشعب التى كانت فى جوانبها ثورة "هوية" وثورة "مقاومة" لعملية "الفناء" المنظم التى كان الغرب الاستعمارى يقودها من عصر "الخديو اسماعيل" ، وهو "الخديو" الذى اقترض من بنوك الغرب ما يزيد على الدخل القومى لمصر، فتم إشهار إفلاسها وتعيين اثنين من "فرنسا" و"إنجلترا" وأصبحا يتحكمان فى "الموازنة العامة" للدولة تحت عنوان "المراقبة الثنائية"، وجاء الخديو توفيق ولده ليكون أداة لخدمة الاستعمار، والبقية معروفة للجميع، لكن "الهوية" الثقافية وخصائص الثقافة الوطنية المصرية لم تمت، وجاءت ثورة 1919 لتعلن أن للشعب المصرى "هوية" خاصة، وقد أظهرها "السيد درويش" فى الموسيقى، بعودته إلى الألحان الشعبية، وتخليصه الموسيقى المصرية من شوائب "الغجر" وتطريب "الأتراك"، لكن تجربة "عبدالوهاب" تختلف فهو "مطرب الملوك"، ثم مطرب" القومية العربية" وموسيقارها "الأول".
أما عن قصة "القومية العربية" فهى مختلفة عن "القومية المصرية"، الأولى ظهرت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وكان إشهار " جامعة الدولة العربية" أول تبشير بها، ثم ثورة "ضباط الجيش" فى 23 يوليو 1952 ، وكانت تلك "الثورة" تخوض صراعا ضد الإنجليز وغيرهم من القوى الاستعمارية التى كانت تسيطر على الدول العربية، ووقعت الحرب بين "مصر" والإنجليز على "أرض اليمن"، وقبلها وقعت الحرب بين "العرب" و"الصهاينة" حلفاء الإنجليز على أرض "فلسطين"، ثم وقعت هزيمة 5 يونيو 1967.. وفى كل هذه المواجهات كان "عبدالوهاب" حاضرا، ففى حرب فلسطين غنى "أخى جاوز الظالمون المدى"، وفى سنوات ما بعد ثورة يوليو كان حاضرا بقوة "وطنى حبيبى الوطن الأكبر" وغيره من الأناشيد القومية، بل إنه قدم أعمالا مشتركة مع "الرحبانية فى لبنان".
وتغيرت الظروف السياسية والاجتماعية، فلم تعد هناك "قومية عربية" ولم تعد هناك "قومية مصرية"، لكن بقيت أعمال السيد درويش شاهدة على إنجازه الموسيقى المتطور، وبقيت أعمال عبدالوهاب الشاهدة على اتصاله بالموسيقى الحديثة ومحاولاته للتواصل مع "المركز" المؤثر فى أوروبا، وهذان الرجلان ظهر لهما تلاميذ فى جميع البلدان العربية وأصبح تاريخ الموسيقى المصرية والعربية يضعهما فى خانة المطورين والباعثين والثائرين، وهذا موضع افتخار - لنا - رغم كل ما نسمعه ونشاهده من "انهيار" وتراجع فى مجال الموسيقى فى الوقت الراهن.
أمهات السينما والإذاعة.. كريمة وأمينة وفردوس
شهر مارس من كل عام يتضمن عدة مناسبات من أهمها "عيدالأم"، والفن المصرى احتفى بالأم، ولدينا تراث عميق وعريق فى هذا الموضوع، وخير أمهات التليفزيون كريمة مختار التى بدأت أولى خطواتها السينمائية بفيلم "ثمن الغربة" من إخراج نور الدمرداش، وقدمت فيه شخصية الأم الفقيرة التى يقبض عليها الضابط الإنجليزى ويحاول أن يجعلها تضغط على أحد "الثوار" ليعترف أمام الجهات المعنية بقتل "حكمدار البوليس" الإنجليزى، وتولت كريمة مختار مهمة تقديم "دور الأم" فى جميع أعمالها التليفزيونية ومن أشهر أدوارها دورها فى مسلسل "فيه حاجة غلط" مع الفنان الراحل حسن عابدين.
ومن الأمهات السينمائيات تقف الفنانة الشامخة أمينة رزق، وهى التى انفردت بدور الأم المغلوب على أمرها، حتى صارت نموذجا للمرأة المصرية بشكل عام، ومن أدوارها المشهورة دورها فى فيلم "أين عمرى" مع ماجدة وزكى رستم، وفى فيلم "نساء محرمات" مع الفنانة هدى سلطان والفنان حسين رياض، وهو دور مركب قدمت فيه شخصية زوجة "عاقر" يضطر زوجها "التاجر" إلى الزواج عليها من امرأة لعوب هى "هدى سلطان" ، وتظل أمينة رزق داعمة لزوجها حتى إنها قبلت إخفاء "هويتها" عن ابنة الزوجة الثانية حتى تستمر علاقة الزوجية الجديدة من دون منغصات. وللفنانة "أمينة رزق" قدرة كبيرة على تقديم الشخصية بأبعادها كاملة، خاصة البعد النفسى، مما جعلها صاحبة بصمة خاصة لا تنساها العين ولا الأذن - فى حالة تقديم أعمال إذاعية –ولها دوران فى فيلمى "الكيت كات" و"السقا مات" مع داود عبدالسيد وصلاح أبو سيف، فقدمت دور أم الشيخ حسنى فى "الكيت كات" بتفوق واضح، وقدمت دورها فى "السقا مات" - الأم الضريرة - بإبداع لا يفوقه إبداع، أما الفنانة "فردوس محمد" فهى "الدادة" أو مدير البيت - أو الأم البديلة - وهى الزوجة الشعبية والريفية، وقد ظهرت مواهبها فى أفلام "سلامة فى خير" و"ابن النيل" و"شباب امرأة" و"غزل البنات" و"المنزل رقم 13" وأفلام أخرى، ولكل فنانة من هؤلاء الفنانات قدراتها الخاصة وأسلوبها فى التعامل مع " الشخصية"، فالفنانة "أمينة رزق" تعلمت قواعد التمثيل على خشبة المسرح، ومثلها "فردوس محمد" لأن السينما فى ذلك الزمان كانت تخطو خطواتها الأولى، وظلت كل واحدة منهما محتفظة فى أسلوبها بما تعلمته على خشبة المسرح، وهذا يراه المشاهد ويسمعه فى تقطيع "الجمل" ونطق الكلمات. وكريمة مختار كانت بداياتها الفنية مع "الإذاعة" وهذا معناه الاهتمام بطبقات "الصوت" وتحويله إلى "صورة" و"إحساس" أو انفعال، ولهذا تجد صوت "كريمة مختار" أكثر تعبيرا عن الموقف الدرامى، لأن "الإذاعة" تعلم الفنان أن يجعل من طبقات صوته بديلا عن انفعالات الوجه والجسد. رحم الله أيام الفن المصرى الأصيل، وكل عام وأمهات مصر بخير .
حسن مدنى وأمل مصطفى وهموم «كوم العرب»
دخلت مكتب الدكتور حسن مدنى رئيس شبكة البرنامج العام للمرة الأولى كى أهنئه على توليه مسئولية أعرق وأهم إذاعة مصرية، وهو أهل للمسئولية بما حباه الله عز وجل به من "صوت رائع" وثقافة واسعة ومؤهلات "إدارية" رفيعة، فوجدت المكتب مفتوحا للجميع ووجدته يتابع كل صغيرة وكبيرة مع "الإذاعيين والمخرجين والإداريين"، وكان وقت زيارتى الذى تجاوز الساعة بدقائق فرصة لى لأرى بأم عينى استعداد البرنامج العام للاحتفال بذكرى يوم الشهيد. كانت الزيارة قبل حلول الذكرى بيوم، وفى الوقت ذاته كان الدكتور مدنى يضع خريطة برامج الدورة الإذاعية الجديدة التى ستبدأ فى الأول من أبريل المقبل، ولمست فى الرجل حرصا على استدعاء "التراث الإذاعى" بإعادة إذاعة البرامج والحوارات والمسلسلات التى تم إنتاجها فى سنوات مضت، وقلت من باب المداعبة إننى مستمع قديم للإذاعة (البرنامج العام)، وأحب الاستماع فى الدورة الجديدة إلى برنامج قديم أحببته وهو "سمار الليالى"، فأدهشنى الدكتور بذاكرته الواعية، فقال لى "سوف تسمع الحلقة الأولى من برنامجك هذا فى الأول من أبريل"، فطمعت أكثر وقلت له "وهناك برنامج جميل اسمه مشوار حياتى"، وعلى الفور اتصل بالمسئول عن المكتبة وطلب منه تجهيز حلقات برنامج "مشوار حياتى". هذه "اللقطات" السريعة كشفت لى أسلوب الدكتور حسن مدنى فى إدارة العمل الإذاعى، فهو أسلوب "فنان" قبل أن يكون أسلوب "مدير تقليدى"، وهو موهوب وخبير فى عمله ومحب لزملائه، وزملاؤه يحبونه بالطبع. ثم عرضت عليه قضية تخص أهل قريتى "كوم العرب" فى سوهاج، وهى قضية "مقلب القمامة" الموجود فى مدخل القرية، وأزمة غياب شبكة الصرف الصحى عن بيوت القرية، وهموما أخرى، وعلى الفور أجرى الدكتور الفاضل اتصالا مع الإذاعية القديرة أمل مصطفى صاحبة برنامج "نهاية الأسبوع"، وتفضلت مشكورة بعرض هموم "كوم العرب" على الهواء مباشرة، من خلال استضافة اللواء نور عبدالرازق الذى قال إن مقلب القمامة سوف يتحول إلى حديقة عامة، وإن الصرف الصحى سوف يدخل "كوم العرب"، وإن مزلقان السكة الحديد سوف يتم تركيبه قريبا، وإن سور "مركز الشباب" سوف يقام، وفرحت لسرعة الاستجابة، وبعد يومين هاتفنى أهالى قريتى فقالوا إن ما قاله "النائب" صحيح بخصوص "الحديقة العامة "، لكن رئيس مدينة طما عاقب أهالى "كوم العرب" بنقل "مقلب القمامة" إلى أرضهم الزراعية، فبعد أن كان فى المدخل الشمالى للقرية أصبح مكانه الجديد فى الأرض الزراعية التابعة لزمام القرية عند المدخل الجنوبى!
فقلت لنفسى "يا فرحة ما تمت خدها رئيس المدينة وطار" ، لكن الشكر والتقدير للدكتور حسن مدنى والإذاعية "أمل مصطفى على اهتمامهما بعرض هموم ومشكلات القرية على هواء البرنامج العام.. أما "كوم العرب" فلها الله، والله من ورائهم محيط.
عاطف الطيب يحاكم زمن جمال عبدالناصر!
عاطف الطيب مخرج سينمائى غنى عن التعريف، ينتمى بالمولد إلى سوهاج، وقد عبر عن هذا الحب لبلده ومسقط رأسه فى الفيلم المشهور "الهروب" الذى قام ببطولته أحمد زكى وهالة صدقى وعبدالعزيز مخيون، وعبر الفيلم عن قضية "ازدواجية" الولاء والصراع بين "القانون" و" العرق" أو الصراع بين" الدولة" و" القبيلة" وكيف أن " القبيلة" فى ظل ضعف الدولة تستطيع أن تقدم الحماية للأفراد المرتبطين بقرابة "الدم" لكنه فى فيلم "كشف المستور" الذى قام ببطولته فاروق الفيشاوى ويوسف شعبان ونبيلة عبيد ، يعرض قضية خطيرة معروفة فى تاريخنا المعاصر بعنوان "القضية رقم واحد" بشأن انحراف جهاز المخابرات، وهى قضية كان البطل فيها "صلاح نصر رئيس الجهاز فى ذلك الوقت، وقد تم تقديمه للمحاكمة على أثر وقوع هزيمة 5 يونيو وتحالفه مع عبدالحكيم عامر، وهو تحالف استهدف "الانقلاب" على الرئيس عبدالناصر، بل إن الأوراق الرسمية أثبتت أن هذا الحلف كان يهدف إلى اختطاف الرئيس وإجباره على إعادة عبدالحكيم عامر إلى منصبه "القائد العام للقوات المسلحة" بالقوة الجبرية.
فيلم "كشف المستور" يناقش معنى "الوطنية" ومعنى "حماية مصالح الوطن"، ويطرح سؤالا مهما هو: هل ما فعله "صلاح نصر" من استخدام للسيدات للإيقاع بالسفراء والأجانب يصب فى مصلحة الوطن؟ والفيلم يقول "لا"، وإن مصالح الوطن لا تعنى الانحراف الأخلاقى، ولا تعنى هتك أعراض السيدات.
لكن من حيث التعبير عن هذا "السؤال" بلغة السينما، فقد أجادت الفنانات "نبيلة عبيد" و"نجوى فؤاد" و"شويكار" وأجاد "عاطف الطيب" باختيارهن لأداء أدوارهن، وكذلك أجاد يوسف شعبان وفاروق الفيشاوى، وكان "السيناريو" متماسكا، وكانت موسيقى ياسر عبدالرحمن معبرة عن الزمن لما فيه من ضباب سياسى وعنف وقهر ، وكان صوت عبدالحليم "مطرب زمن الثورة" خير رفيق لدعم السيناريو والتعبير عن "بنات مصر" من "الطبقة الوسطى" فى ذلك الزمان ، ولأن عاطف الطيب ينتمى "فكريا" إلى ثورة يوليو 1952، فقد جاء فيلم" كشف المستور" ليقول لنا إن "الأخطاء" التى وقعت لا تقلل من دور "الثورة" فى تحقيق استقلال وطنى للبلاد وطرد للمستعمر، وإن كل "ثورة" لها أهداف راقية تخدم مصالح الثائرين وهى مصالح وطنية فى المقام الأول، لكن رغم هذا القصد النبيل هناك أخطاء وخطايا يرتكبها المسئولون باسم الثورة قد تؤدى إلى ضياع مستقبل الثورة وتهدد الوطن ووجوده ذاته.