صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

انفراد: مذكرات أحمد سعيد «16» الرئيس عبدالناصر: قيمة «صوت العــــــــــرب» فى حريتها والسقف العالى الذى تتمتع به

ljhhuu.jpg

ملخص ما نشر:
أزمة سياسية أثارتها إذاعة أغنية عبدالوهاب "دعاء الشرق" بإذاعة صوت العرب، والتى اتهم بسببها أن له ميولا بعثية، حيث كان البيت الأول من الأغنية يتضمن اسم حزب البعث السورى وشعارا له نصه "شعب عربى واحد"، وهو ما استدعى تحقيقا حول إذاعة شعارات لحزب البعث السورى، ولولا تدخل ثلاث شخصيات مؤثرة لحدث تهديد يمس سقف الحرية العالى الذى تتمتع به صوت العرب دون بقية الإذاعات والصحف.
يستكمل الإعلامى الكبير أحمد سعيد مذكراته قائلا:
ألقت الأزمة بظلال كثيفة خانقة على إعداد وتسجيل حلقة يوم الخامس من يوليو. واقترح فتحى الديب كحل يعكس حسن نيتنا فى "صوت العرب"، أن تتصدر هذه الحلقة إعادة لتهنئة عبدالناصر لـ"صوت العرب" فقط دون تذييلها ببيتى شعر أغنية "دعاء الشرق" خاصة البيت الذى ورد فيه اسم "البعث".. غير أننى اعتذرت عن عدم الأخذ بهذا الاقتراح لما يثيره حذف إنشاد عبدالوهاب من مشاعر الآلاف المؤلفة من أعضاء حزب البعث العربى الاشتراكى، مضيفاً له أننا تلقينا برقيات ومكالمات من مختلف بلاد الوطن شرقا وغربا، تهنئ "صوت العرب" بمرور عام كامل على بدء بثها اليومى القومى التحررى التثويرى، وأننى أفكر فى توليف برنامج خاص تجرى إذاعته مساء اليوم تضم فقراته جملاً مختارة من تهنئة عبدالناصر وتهانى الشخصيات العربية المستقلة حزبياً مثل حميد فرنجية وصائب سلام من لبنان، وسليمان النابلسى وشفيق أرشيدات من الأردن وفلسطين، وعلال الفاسى زعيم حزب الاستقلال المغربى، وصالح بن يوسف نائب رئيس الحزب الدستورى التونسى، وأبى أحرار اليمن محمد محمود الزبيرى، واللاجئ الجزائرى محمد خيضر، ومزج تهانيهم بتهانى اثنين أو ثلاثة على الأكثر من القيادات البعثية التى اشتهر عنها أيامها الاعتدال فى المواجهات السياسية مثل فؤاد الركابى بالعراق، وعبدالله الريماوى بالأردن، وذلك بجانب حشد من الكتاب والصحفيين العرب من سائر البلاد، بما يعكس إجماعاً شعبياً يبارك ما أحرزته "صوت العرب" من نجاح خلال عامها الأول وعلى امتداد الوطن، وأياً كانت التوجهات السياسية الحزبية لغالبية مواطنيها، وهو ما تم إعداده وتسجيله قبل عصر ذلك اليوم الخامس من يوليو 1954، واستقر فى وحدة الكنترول والأشرطة مرفقاً به نص معتمد منى جميع صفحاته. وأبى فتحى الديب إعجاباً منه بفكرة البرنامج وتنفيذه إلا أن يشاركنى المسئولية ويوقع على أوراق النص اللفظى للبرنامج الإذاعى الجرىء، طالبا نسخة لعرضها فوراً على رئيسه مسئول المخابرات من قبل مجلس الثورة البكباشى زكريا محيى الدين، وكما يقول المثل: "العبد فى التفكير والرب فى التدبير" فقد شهدت الساعات الأربع التالية لإذاعة هذا البرنامج مساء نفس اليوم تطورات سريعة مناقضة فى مفاهيمها لما أراده البعض الحاسد من انطلاقة حرة لـ"صوت العرب" بلا قيود، لم تلبث أن أهلته ليكون الداعية للفكر القومى من خلال العمل التنويرى الذى أسهم فى تحرير شعوب الوطن من الاستعمار الأجنبى وحكم عملائه خلال سنوات الخمسينات والستينات من القرن الميلادى العشرين، رغم شراسة العداء الأجنبى وما كان يحققه من ضربات.
ففى عصر ذلك اليوم كانت الساعة الثانية والنصف موعداً محددا للضابط الدبلوماسى محمود رياض للقاء عبدالناصر فى مبنى قيادة الثورة بالجزيرة، ويعقبه فى الساعة الثالثة موعد للاجتماع بنقيب عمال قلعة الصناعة المصرية – أيامها – فى المحلة الكبرى الطبيب الدكتور فوزى السيد.. وقد بادر عبدالناصر كليهما يشكو بأزمة اتهام "صوت العرب" بالتشيع لحزب البعث، وما يردده البعض ضدها من انحراف عن مسارها القومى إلى مسار حزبى يحمل شبهة توجه بعثى عنده، يؤثر بالضرورة فى قدرة مصر على الحركة الحرة فى الشارع العربى.
ويفاجأ عبدالناصر بكل منهما يرفض الاتهام ببعثية "صوت العرب"، مؤكدا فى نفس الوقت أن ما أذيع خلال يومى 4 و5 يوليو أكسب الإذاعة القومية الثورية الناشئة أضعاف ما حققته من نجاحات طوال عامها الأول، الأمر الذى يفرض الحفاظ على استقلالية مضامين خطابها الإعلامى متحررا من هواجس الرقابة التى كانت شائعة أيامها فى مجال العمل الجماهيرى صحفيا وإذاعيا.. ويتم على الفور استدعاء فتحى الديب إلى لقاء عبدالناصر ليدور حوار بينهما حول ما يصل رئاسة الثورة من مآخذ على "صوت العرب"، وتم نشر بعضه فى الفصل الثالث من كتاب فتحى الديب "عبدالناصر وتحرير المشرق العربى" تحت مسمى "صوت العرب فى المعركة"، وليؤكد الرئيس فى ختام حواره معه أن قيمة "صوت العرب" فى حريتها والسقف العالى الذى تتمتع به فى تناول الشأن العربى، خاتما حواره ضاحكا قائلاً لفتحى الديب بأن "أى مساس بهذه الحرية يبقى خلصت على نفسك".
وتعيش "صوت العرب" إثر إذاعة حلقة البرنامج فى عيدها الأول 4 يوليو 1954 فيما يشبه الفرح، فالاتصالات التليفونية تتوالى، وسعاة البرق يتتابعون، وقد شهد احتفالنا بعام ناجح من الإرسال الإذاعى التنويرى التثويرى مع أول خطاب يوجهه عبدالناصر إلى أمة العرب إعلانه الصريح وسط المفاوضات المصرية البريطانية عن إيمانه باتخاذ سياسة الحياد والحياد الإيجابى، وقناعته بقدرة العرب على تبوؤ المكانة التى تستحقها أمتهم لا غربية ولا شرقية، وإنما حرة وعربية.
أما على الصعيد السياسى العربى ونخبه فقد أحدث ما أعلنه وأكده عبدالناصر ليلتها صدمة للبعض مثل حلفاء الغرب وأعوانه خاصة فى العراق والأردن ولبنان وقلة من أقطاب سوريا، فى نفس الوقت الذى فتح فيه الباب مواربا ثم واسعا فى أوساط البعثيين والشيوعيين للبدء فى جدل حول ماهية الثورة العسكرية فى مصر وضرورة إعادة تقيميها من خلال واقع تطورات مواجهاتها للثوابت التقليدية الاستعمارية.
وقد أحدث إقدام "صوت العرب" على إذاعة هجمات السياسيين والمحللين فى عواصم العالم – خاصة موسكو – فى كسر حدة التوجس من ثورة مصر وشخص عبدالناصر، خاصة عند عامة الشعب العربى خاصة فى سوريا والأردن وفلسطين ولبنان.
ثم تزايد ترحيب البعثيين والقوميين والقوى الوطنية فى مختلف بلاد العرب بالسياسات التحررية المصرية، بل وتجاوزهم لكثير من الممارسات بمواجهات السلطة الثورية لخصومها من أحزاب عهد الملكية والإخوان المسلمين والشيوعيين على حد سواء.
ويجىء الثلاثاء 27 يوليو من نفس العام 1954: ويدور فى العاصمتين المصرية والبريطانية بيان مشترك يعلن ما توصل إليه ممثلو حكومتى البلدين من اتفاق بشأن الجلاء العسكرى عن قاعدة قناة السويس والتوقيع عليه بالأحرف الأولى تمهيدا للتصديق عليه نهائيا فيما بعد.
ويثير المنظمات المعارضة للثورة من حزبية وإخوانية نجاح شباب ضباط الجيش فى تحقيق جلاء جيش الاحتلال عن مصر، بعد احتلال تجاوز السبعين عاما عجزت عن تحقيق مثيل له هذه المنظمات طوال هذه السنوات، فتبدأ سلسلة من الحملات والاجتماعات والمظاهرات ضد مشروع الاتفاقية، وصلت إلى ذروتها بعد توقيعها النهائى يوم الأحد 19 أكتوبر من نفس العام، محتجة فى رفضها لها بمواد تنظم التصفية النهائية للاحتلال العسكرى البريطانى خلال مراحل سنوات تنفيذها التى تحددت فى المشروع بسبع سنوات، مثل بقاء نحو ألف خبير فنى تحت إشراف عسكرى مباشر لضمان الاستخدام الفورى للقاعدة حال وقوع هجوم مسلح خلال سنوات تنفيذها السبع على إحدى دول الجامعة العربية أو الجمهورية التركية، وتتطلب مواجهته تواجد قوات بريطانية فى منطقة قناة السويس، مع نص صريح بجلاء هذه القوات فور توقف القتال المذكور.
فى نفس الوقت فاجأنا الحكم الملكى الهاشمى فى العراق بمشروع إقامة اتحاد يضم سوريا والأردن، ولم يلبث أن أعلن وزير الخارجية فى بغداد الدكتور فاضل الجمالى أنه طرح المشروع على الرئيس السورى فى دمشق، كما سلمه إلى أمين عام الجامعة العربية فى القاهرة بحكم كونه مشروعا قوميا ينفذ ميثاق الجامعة وأهدافها، وقد لوحظ أن إذاعتى بريطانيا الشرق الأدنى من قبرص، والبرنامج العربى من لندن، تشيدان بالمشروع العراقى، وترددان تصريحات تؤيده، لبعض أقطاب العمل السياسى فى سوريا، مثل فارس الخورى، وخالد العظم، وصبرى العسلى، فى نفس الوقت الذى بادرت فيه قيادات القوميين العرب وحزب البعث، من اللاجئين فى إيطاليا وفرنسا ولبنان، إلى إدانة المشروع وخطره على الاستقلال السورى والنظام الجمهورى والعمل القومى، مما أشعل الشارع السورى ضد المشروع، وضد الرئيس السورى الشيشكلى، خاصة عندما ترددت شائعات عن زيارات متكررة قام بها لدمشق الرئيس الأمريكى لشركة خط أنابيب البترول السعودى "التابلاين" واجتماعاته المطولة بالشيشكلى، ونعرف فى "صوت العرب" قيمة الحكمة القديمة "ألقاه فى اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء"، فقد تلقينا أمراً صريحاً بسرعة مواجهة المشروع العراقى، شريطة ألا نشير ولو من بعيد إلى العراق وحكومته، أو إلى الشيشكلى وصمته.. فنفتش فى التاريخ عن متشابهات تتيح لنا فى "صوت العرب" أن نكشف الخلفية الاستعمارية لمشروع فاضل الجمالى، فنجد مؤامرة على استقلال سوريا الحديث، دبرها نائب سورى يدعى منير العجلانى، أرادت تنفيذها بدعم من ملك الأردن عبدالله فى سبتمبر عام 1950 لإخضاع سوريا للعرش الهاشمى بكل عمالته لبريطانيا، وتم مع الإعلان عن المؤامرة فى حينها اعتقال عشرين من السياسيين والعسكريين السوريين، كان من بينهم وزير الدفاع أحمد الشرباتى.
وتتباين مواقف الدول العربية من اتفاقية الجلاء عن مصر، فمن الحكومات من هنأ وبارك، ومنها من رحب وحذر، عدا حكومة العراق الجديدة برئاسة الرجل القوى صنيعة بريطانيا نورى السعيد، فقد صورت له صياغات بنود الاتفاقية وسنوات سريانها السبع أنها بداية لعلاقات تحالف بين مصر وبريطانيا، خاصة بند عودة القوات البريطانية إلى القاعدة المصرية حال تعرض تركيا أو إحدى بلاد الجامعة العربية، والعراق عضو أصيل مؤسس لها، بما رآه ييسر له البدء فى تنفيذ المخطط الاستعمارى شاملا وطن العرب وربطه مجدداً، رغم ما يسوده من دعوات التحرر، بحروب أطماع الغرب الرأسمالى فى مواجهاته المحتملة للاتحاد السوفييتى والشيوعية العالمية، فتشهد بلاد المشرق العربى مع العراق، خاصة لبنان والأردن وكذلك سوريا، حملات متتالية تجسد وتهول أبواقها السياسية والصحفية خطراً شيوعياً خارجيا وداخليا وشيكا يهدد أمة العرب وتدينها، وتبشر بالغرب ودوله منقذاً لها من دول الإلحاد وأفكارها الهدامة، متجاهلة تماماً ما عانته، وما كانت ولا تزال تعانيه أغلب بلاده من احتلال غربى ونهب استغلالى.
ويقدم عبدالناصر على محاولة لإثناء نورى السعيد عن المضى فى مخططه لفرض حلف عربى عام مع الغرب، يحقق للاستعمار طموحاته فى استمرار سيطرته على مقدرات الحياة فى بلاد العرب، وذلك من خلال إحياء مشروع الضمان الجماعى العربى، الذى وافق عليه العراق للدفاع أساسا عن وطن العرب، ودعم قواه الاقتصادية، فى 17 يونيو 1950، وصدق عليه والتزم به مع سائر دول الجامعة أيامها، يوم 23 أغسطس 1952.

Please publish modules in offcanvas position.