صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

انفراد: مذكرات أحمد سعيد «17» حملة «صوت العرب» ضـــــــــــد فرض الأحلاف الغربية على العرب

kjjjjuuu.jpg

مصر تكذب نورى السعيد فى ادعائه مباركة عبد الناصر التحالف مع تركيا

الخطر الشيوعى كان هو مبرر الدعوة للتحالف مع الغرب

ملخص ما نشر:
كان إعلان عبد الناصر لسياسة الحياد الإيجابى وقناعته بقدرة العرب على تبوؤ المكانة التى تستحقها أمتهم، صدمة لحلفاء الغرب، وأعوانه.. فى الوقت الذى بدأت فيه الهواجس من ثورة يوليو تتراجع لتكتسب الثورة ترحيباً من القوى الوطنية بالسياسات التحريرية المصرية، تقابله على الجانب الآخر محاولة فرض حلف عربى مع الغرب يقوده عراق نورى السعيد تحت دعوى محاربة الخطر الشيوعى، ويحاول عبدالناصر إقناع نورى السعيد بعدم المضى فى مخططه، وهو ما يروى تفاصيله الإعلامى الكبير أحمد سعيد فى مذكراته.
سافر إلى العراق عضو مجلس الثورة ووزير الإرشاد الصاغ صلاح سالم، على رأس بعثة تفاوض، شارك فيها رجل المخابرات وصوت العرب المسئول عن المنطقة العربية الضابط فتحى الديب، وسبقهم على الأثير تصريح لعبد الناصر عن تمسك مصر بالحياد الإيجابى والتحرر الكامل من أية تحالفات غير عربية تحمل شبهة هيمنة أجنبية.
ويشهد المصيف العراقى فى الشمال "سرسنك" خلال أيام الأسبوع الثالث من أغسطس من نفس العام إصرار نورى السعيد على المضى فى مخططه، مضيفا إليه تحديات لثورة مصر ككل، ولبرنامجها الإذاعى "صوت العرب" أيضا. أولهما: إعلانه عن رأيه فى هزال أى تعاون عسكرى عربى مشترك، وثانيهما: استنكاره لما ردده على مسامعه صلاح سالم من الإجماع العربى الذى يذيعه "صوت العرب"، وندعى فيه – حسب زعمه – رفض الشعب العربى ونخبه بكل ما يمثله من استمرار للوجود الاستعمارى ونفوذه وسيطرته على مقدرات العرب.
وينعكس تحدى الداهية العجوز نورى السعيد، على الثائر الشاب صلاح سالم ومسئوليته كوزير للإرشاد القومى، ومسئول عن "صوت العرب" كإذاعة تتبعه، فيصدر فور عودته من العراق مجموعة قرارات متعجلة، تتصل بجزئية رئيسية فى حرفية تناول "صوت العرب" للأحداث والسياسات، كانت قد حققت لنا عند سواد الشعوب العربية نجاحات سريعة غير مسبوقة، مما أدى بعد أسبوع من تنفيذها للوزير صلاح سالم إلى تراجع حاد ونوعى فى حجم درجة تفاعل عامة المستمعين مع صوت العرب، وهو ما سجلته فى رفض جارح تقارير أجهزة رصد حالة الاستماع الجماهيرى إلينا، الأمر الذى دفع الجهات الرئاسية إلى التأكيد من جديد على حرية "صوت العرب" فى تحديد أساليب تناوله للأحداث والتوجهات، إعمالا لمقولة عبدالناصر لفتحى الديب، عندما عرض عليه ما نشب من اختلاف فى المواقف بين عضوى مجلس قيادة الثورة البكباشى زكريا محيى الدين، والصاغ صلاح سالم: "لصوت العرب أهداف والتزامات، وحقق نجاحاً سريعا غير متوقع، بطريقته وأسلوبه.. يبقى له الحق والحرية يقول اللى عايزه وشايفه مصلحة لأهدافه والتزاماته، بالكلام اللى يشوفه مناسب، والأسلوب إللى يحقق الهدف المطلوب".. إلى آخر قصة هذه المحنة الحرفية الشخصية التى وردت تفاصيلها فى فصل "حلف بغداد".
وبينما كنا نعد لتجديد حملة صوت العرب ضد مشروعات استمرار السيطرة الغربية من خلال خدعة الأحلاف، فى ظل تعليمات مشددة بعدم استثارة بريطانيا بهجوم مباشر تمشيا مع الحرص الرسمى المصرى العام على تنفيذ سحب قوات الاحتلال من قاعدة قناة السويس وفق اتفاقية الجلاء، توهم نورى السعيد أن توقف مصر المرحلى عن انتقاد السياسات البريطانية يعكس سياسة جديدة تحرص على استرضاء لندن، والاستحياء من مهاجمة مشروعات الأحلاف الغربية ومشاركة العرب فيها ولو اقتصر الأمر على العراق.. فبادر إلى زيارة القاهرة خلال سبتمبر 1954. وتفاجأ القاهرة فور عودة نورى السعيد إلى العراق بسلسلة ادعاءات يرددها حلف بغداد توحى للعرب بمباركة عبدالناصر لمشاركة العراق فى ملف يضمها مع تركيا والغرب ضد أخطار المد الشيوعى.. فتضطر القاهرة إلى إعلان كذب إعلام نورى السعيد وكشف حقيقة موقف مصر الرافض خلال جلسات المحادثات العراقية المصرية فى القاهرة وقول عبدالناصر فى ختامها لرئيس الحكومة العراقية: "إن هذا طريق لا نستطيع السير فيه، واشتراك أية دولة من الدول الكبرى فى هذا الدفاع يحد من موجة التحرر العربى، ونحن نريد أن نأخذ وضعنا وتقوية شخصيتنا، والدفاع شأن عربى خالص ينبعث فقط من المنطقة".
وتتصاعد هذه التعليمات بمهاجمة أى تحالف عربى مع الغرب إثر أنباء عن تحركات عراقية فى سوريا ولبنان، وتزايد دعوة بعض السياسيين والصحفيين إلى التعاون مع الغرب ضد الخطر الشيوعى.. فنبادر فى صوت العرب إلى فتح خزائن تاريخ الغرب مع بلاد العرب بدءا من الحملات الصليبية وتقتيلها لمئات الألوف من المسلمين العزل رغم العهود والمواثيق بل والتحالفات، وصولا إلى القرنين الأخيرين التاسع عشر والعشرين والاحتلال الأوروبى لأغلب بلاد العرب.. وفضح الوعود الكاذبة التى قطعتها بريطانيا وفرنسا لبعض القيادات العربية وهى تكتم تقاسيمها لبلادهم فى الاتفاقية المشهورة باسم "سايكس بيكو" خلال الحرب العالمية الأولى ومن بعدها الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى النهب المنظم لبترول العرب فى شبه الجزيرة والقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية فى جميع بلاد العرب المطلة على الخليج.
وقد جسد صوت العرب تفاصيل ذلك التاريخ الغربى مع العرب من واقع وثائق وشهادات فرنسية بريطانية ضمن تعليقاته وفقراته المختلفة، مثل برامج "الكل باطل" و"التاريخ الأسود" و"لا يلدغ المؤمن" و"خضراء الدمن".. وقد اعتمد البرنامجان الأخيران على الحرفية الدرامية من جهة والمنظور الدينى للموالاة فى الإسلام من جهة أخرى، والذى أكد عمق تأثيره فى عامة المتلقين ضرورة استلهام الرؤى الدينية عند وضع تفاصيل أى خطاب إعلامى ضمانا لسرعة تقبله وتوفيرا لدوام تجذره بأهدافه السياسية المعاصرة، ولم يكن غريبا على صوت العرب أيامها أن تكون سوريا البلد العربى الوحيد الذى عمه الجدل مثل مصر حول تفاصيل اتفاقية الجلاء.
فعلى الصعيد الرسمى: كان رد الفعل تقليديا تغلب عليه ما تفرضه الدبلوماسية من تعامل فى مثل هذه المناسبات من تحية وتقدير وأمنيات بجدية التنفيذ.
أما الجماهير وتنظيماتها السياسية: فلم نفاجأ فى صوت العرب بتناقض البعثيين مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الناشطين فى الشارع العربى، فقد كانت تصريحات عبدالناصر التى توالت صيف 1954 منذ أحاديثه فى العيد الأول لصوت العرب فى يوليو من نفس العام ضد مشروعات بريطانيا مع نورى السعيد، لإقامة حلف عسكرى عربى بريطانى تركى إيرانى باكستانى تخضع له مع مملكة العراق جمهورية سوريا، أشبه بالقرينة والشفيع لصالح النظام العسكرى فى مصر وقيادة عبدالناصر عند كثيرين من أقطاب البعث، مما غلب الموضوعية مع موقفهم من الاتفاقية رغم بعض تحفظاتهم على بعض بنودها وصياغاتها من خلال عبارات أقرب إلى الأمنيات منها إلى الهجوم أو التخوين.
أما الإخوان المسلمون فى سوريا فقد تلاقوا مع الإخوان المسلمين فى مصر والرسالة التى بعث بها مرشدهم حسن الهضيبى إلى عبدالناصر رافضا الاتفاقية، مطالبا بالتراجع عنها وعدم التصديق عليها، جرى توزيع نصها فى منشور إخوانى وسط مظاهرات صاخبة دفعت السلطات إلى اعتقاله وحشد من قيادات الإخوان وسط محاولة اغتيال عبدالناصر يوم 26 يوليو وما تلاه من محاكمات وإعدامات خلال الأيام التالية من عام 1954 والتى لم تلبث أن تعددت فى توال يغرس بين الثورة وعبدالناصر وبين جماعة الإخوان خندقا تتزايد حراب الثأر فى أعماقه.
أما الشيوعيون فى سوريا ومعهم رفاقهم فى لبنان والأردن والعراق، فقد اتسم عداؤهم لعبدالناصر باتهامه صراحة بالأمركة وتشبيهه بجنرالات جمهوريات الموز فى أمريكا اللاتينية رغم ما كان يعكسه أيامها من تكرار إعلانه عن إيمانه بسياسة الحياد لمصر والعرب من استعداء لعواصم الغرب خاصة واشنطن. ويأتى أول نوفمبر من نفس العام ليدعم حملة صوت العرب ضد كل المشككين فى بنود اتفاقية الجلاء عندما اشتعلت الثورة فى الجزائر وأخرج ما كان محفوظاً بها من بيانها الأول ونداءات التثوير لشعبها والاستنفار للعرب والمسلمين وإعلان التأييد المصرى لها.
فبعد الفاتح من نوفمبر 1954 صدر بيان من الحزب الشيوعى الفرنسى التزم حياله الحزب الشيوعى الجزائرى صمتا طويلا وردد فيه الكثير من المخاوف حول تأكيد البيان الأول للثورة الجزائرية لهويتها الإسلامية العربية، الأمر الذى أعطى "صوت العرب" المزيد من القدرة على مواجهة حملات الإخوان والشيوعيين ضد اتفاقية الجلاء عن مصر، وصدق التزام ثورة مصر وعبدالناصر بالأمة العربية وحرية شعوبها بما بخر سريعا وبدد من تداعيات رفض حزب البعث بالذات وتظاهرات غضب الإخوان المسلمين فى سوريا وغير سوريا من التصفية النهائية للواء محمد نجيب يوم الأحد 14 نوفمبر 1954، وكذلك إعدام ستة من الإخوان فى مصر، وتخفيف الحكم بإعدام المرشد العام حسن الهضيبى إلى السجن المؤبد. ومع نهايات عام 1954 يستقر الحكم لثورة 23 يوليو وقائدها جمال عبدالناصر، لتشهد أيام العام الجديد من الأحداث ما لم يلبث أن دفع نفس الجماهير والقيادات التى توجست من عبدالناصر وعادته إلى الخروج فى مظاهرات تهتف له مع توالى مواقفه التحريرية وصولاً فيما بعد إلى أواخر عام 1957 وأوائل عام 1958 عندما تعالت مدوية فى شوارع دمشق وحلب وسائر مدن وقرى سوريا، هتافات الشعب السورى "بدنا الوحدة باكر باكر مع ها الثائر عبدالناصر".
ولم يكن السر فى معجزة غيبية، او فى إغداق مال، أو فى بريق نفوذ، أو فى مهابة سلطان.. وإنما كان هناك مشروع قومى، وصدق فى الالتزام به، وإمكانية تحقيقه وإيمان حشد الملايين وأجيالهم بحتمية الضرب فى طريقه مهما كانت المشاق وأيا كانت التضحيات. وفى بادئ الأمر سعى عبدالناصر إلى جمع حكومات دول الجامعة العربية حول مشروع ميثاق الضمان الجماعى عسكرياً واقتصادياً من خلال سياسات توافقية بين مختلف الأنظمة الحاكمة ورؤاها المتفاوتة وأمله فى إقامة تكتل عربى قومى واحد، وسط العالم الذى تتصارع فيه كتل شيوعية مع كتل غربية.
بدأ عبدالناصرالمحاولة بدعوة وزراء الخارجية العرب إلى اجتماع استثنائى عاجل قبل نهاية ديسمبر 1954، وقام بشخصه بعرض رؤيته مدعمة بدراسات وتقارير، وإذ وجدهم - بتوجيهات من حكامهم الكبار - بين متخوف ومتخاذل ومتواطئ عدا الوزير السورى، فقد قرر أن يتجه بمشروعه كاملاً إلى الشعوب العربية من خلال أجهزة إعلامه خاصة الإذاعة وصوت العرب منها بالذات، وهدفه الذى تحدد لنا أيامها أن تصبح الشعوب العربية قوة ضغط على حكامها أياً كانت نظمهم أو توجهاتهم.

Please publish modules in offcanvas position.