صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

"عاشق الروح" حكاية شاعر (3-3) تسبب عبد الناصر فى إفلاس حسين السـيد فكتب له «ناصر كلنا بنحبك»

gndgjdy.jpg

لماذا استدعاه السادات إلى القصر الجمهـــــــــورى بسيارة الرئاسة ؟

حكاية «البغبغان» الذى اكتشف وفاته فى مكتبه!

عندما لمع اسم حسين السيد شاعرا، وكتب أجمل أغنيات الأستاذ عبد الوهاب، وذاع صيته كواحد من أبرز شعراء الأغنية فى سنوات معدودة، حدث أن التقى شاعر عبد الوهاب بشاعر أم كلثوم، فقد وجد أمامه أحمد رامى فى مناسبة عامة، فسلم عليه حسين السيد بحرارة، وسأله: حضرتك إيه رأيك فى شغلى مع الأستاذ عبد الوهاب؟.. وبطريقة المعلم الخبير رد رامى: "تعالى اسألنى السؤال ده بعد عشر سنين"!.. ولما استغرب حسين السيد من الإجابة أوضح رامى: "بص يا حسين.. شغلك ناجح وأنا سمعت كل أغانيك وعجبانى.. لكن مش مهم الأغنية تنجح.. الأهم أنها تعيش.. ولو الناس لسه فاكرة أغانيك بعد عشر سنين يبقى ده هو النجاح الحقيقى"!
وبعد عشرين سنة من هذا اللقاء التقى حسين السيد بعمدة شعراء الأغنية أحمد رامى وذّكره بما حدث بينهما، ولم يكن رامى بحاجة لمن يذكّره، فقال له وكأنه يمنحه وساما: "كلامك عايش يا حسين.. أنا لسه سامع لك أغنية كتبتها لنجاة اسمها (القريب منك بعيد)، كل كوبليه منها ينفع مطلع أغنية لوحده"!
لكن اللغز الذى حيّر كثيرين فى سيرة حسين السيد: لماذا لم يكتب لأم كلثوم.. وهو الذى كان من ألمع شعراء الأغنية طيلة أربعين سنة.. وغنت كلماته أجمل وأشهر الأصوات.. مطربين ومطربات؟!
لدى د. حامدة حسين السيد إجابة قاطعة.. ولديها المزيد من الأسرار والمفاجآت عن والدها، الشاعر الملهم الذى يحتاج إلى إعادة اكتشاف.. ابنة "عاشق الروح" تحكى عنه.. فأنصتوا:
(1)
كانت السيدة أم كلثوم تحمل تقديرا خاصا لحسين السيد كشاعر، وكما ذكرت لك فإنها اختارت أغنيته "إله الكون" ضمن "أغانى وعجبانى" عندما حلت ضيفة على البرنامج الإذاعى الشهير، وقالت إنها كانت تتمنى أن تغنيها.. وكادت أم كلثوم تغنى من كلمات والدى فى واقعتين.. الأولى أغنية "شكل تانى"، فقد كتبها والدى وأعطاها للأستاذ عبد الوهاب الذى وعد بها السيدة نجاة.. ثم حدث أنه دندن باللحن فى وجود السيدة أم كلثوم فأعجبها، ومن يستمع إلى الأغنية يجد أنها كلثومية بامتياز، وكانت لدى أم كلثوم رغبة فى غناء "شكل تانى"، لكن حدث أن تسرب خبر إلى الصحافة أن أم كلثوم "طمعت" فى أغنية يلحنها عبد الوهاب لمطربة أخرى، وهو أمر اعتبرته أم كلثوم لا يليق بمكانتها، فتراجعت عن رغبتها فى "شكل تانى"!
الواقعة الثانية كانت فى السنوات الأخيرة قبل رحيل كوكب الشرق، فقد ذهب إليها عبد الوهاب بأغنية "فى يوم وليلة" وأعجبتها الكلمات التى كتبها حسين السيد، لكنها طلبت عدة تعديلات رأى والدى أنها لا لزوم لها.. كانت أم كلثوم تعرف أن والدى "ليّن" فى تعامله مع الأستاذ عبد الوهاب، ويقبل تعديل بعض الكلمات التى يرى عبد الوهاب أنها لخدمة اللحن، لكن والدى شعر عندما جلس مع أم كلثوم أنها تريد التغيير من أجل التغيير، وأذكر أنه عاد من عندها وهو غاضب، وقال لنا: "ده حتى الأستاذ عبدالوهاب ما طلبش تغيير!.. ولم يحدث اتفاق بينهما، وكانت الأغنية من نصيب وردة".
وفى ظنى أن أم كلثوم خسرت كلمات حسين السيد مثلما خسر هو صوتها.. وفى ظنى كذلك أن الأستاذ عبد الوهاب لم يكن مرحبا بتعاون حسين السيد مع أم كلثوم خشية أن يفقد شاعره الأثير!
وفى يقينى أن والدى لم يحمل ضغينة لأم كلثوم ولا غيرها، وكان عبد الناصر أولى بغضبه بعد أن تسبب فى إفلاسه وخسارته لكل ما يملك، بقراره المباغت والمفاجئ بوقف التعامل مع حسين السيد كمورد لأغذية الجيش، وكان والدى قد دفع أثمان الأغذية للتجار مقدما، وحاول المشير عامر والسادات التوسط لأن يوافق عبد الناصر على أن يورد حسين السيد ما اشتراه فعلا لكن عبدالناصر رفض بحسم، وخسر والدى "الجلد والسقط" كما يقولون، فقد كانت فى مخازنه أطنان من اللحوم والفواكه لم يستطع تصريفها ففسدت.. ومع ذلك لم يشعر بأى حقد على عبد الناصر، وكتب فيه أروع أغانيه الوطنية..!
تستغرب أن الذى خرب بيت حسين السيد هو الذى كتب فيه "يا جمال يا حبيب الملايين" و"مرحبابك يا جمال" و"ناصر كلنا بنحبك ناصر".. وكان والدى هو أول من أطلق وصف "ناصر" على زعيم الثورة..وأصبح علما عليه!.. ولا أنسى جملة كتبها صديقنا يحيى طراف معلقا على أغانى الستينات الوطنية: حسين السيد هو صاحب أجمل وأصدق تعبير فى وصف عبد الناصر عندما كتب "والله عاش من شافه/ طال السما بكتافه"!

bfshsh.jpg

لم يكن والدى ناصريا بالمعنى الأيديولوجى، لكنه كان يعتبر عبد الناصر رمزا وزعيما لأمة وقائدا لتجربة ملهمة، ولذلك كتب فيه ما كتب عن قناعة وصدق "ربما لذلك منحه ناصر وساما وكرمه فى عيد العلم تقديرا لأغانيه الوطنية المؤثرة".. ولا أنسى دموع والدى يوم تنحى عبد الناصر عقب نكسة يونيو 1967، كنا وقتها نسكن بشارع النيل بالعجوزة وخرجنا إلى البلكونة على أصوات الجماهير الهادرة، كان المشهد مذهلا: "طوفان من البشر يهتف باسم قائد (مهزوم) يطالبه بالبقاء"!
لكن علاقة والدى بالرئيس السادات كانت أوثق وأعمق.. وكان السادات يحمل لوالدى "دينا" فى عنقه يدل على أصالة فى شخصيته وتربيته.. كان والد الرئيس السادات يمتلك محل بقالة بالجملة فى حى القلعة، وكان ممن يورد له والدى أصنافا من الأغذية فى سنوات عمله بالتجارة، وفى مرات عديدة كان والد السادات يطلب من والدى أن يمنحه مهلة لسداد ما عليه من ديون، فقد كان ابنه – أنور - وقتها مفصولا من الجيش وسجينا فى قضية مقتل أمين عثمان، وكان على والده أن يتكفل بمصاريفه..وكان والدى يعفيه من السداد بسماحة: "خلاص..نخلى الحساب الشهر الجاى"!
وعندما تولى السادات الحكم فى أوائل السبعينات فوجئ والدى باتصال من مكتب الرئيس: "فيه عربية من الرياسة هتعدى عليك.. سيادة الرئيس عاوز يشوفك"!.. واستقبله السادات بمودة وشكره بأثر رجعى على مواقفه الإنسانية مع والده، وتعددت لقاءاتهما، كان ساعات السادات يطلبه مخصوص لكى يسمعه حسين السيد أحدث ما كتب من أغنيات، واقترح عليه مرة أن يكتب أغنية للفن على نمط نشيد الفن الذى لحنه عبد الوهاب وغناه فى أيام الملك فاروق، وكتب والدى: "قلب الفنان له دقاته/ بيحب الفن علشان ذاته".. وغنتها وردة.
وكانت سنوات حكم السادات من أزهى مراحل الإبداع والتألق فى حياة حسين السيد، أنهى بها سنوات عجافا عاشها بعد نكسة يونيو، توقفت فيها الحركة الفنية وهاجر كثير من المبدعين خلالها إلى لبنان، وكان الكساد مروعا، واضطر والدى لأن يكتب إعلانات تليفزيونية ليوفر نفقات أسرته!
وعاد حسين السيد إلى تألقه فى السبعينات مع حكم السادات، وكتب خلالها أروع أغانيه.. يكفى "فاتت جنبنا" لحليم.. و"بعمرى كله حبيتك" و"فى يوم وليلة" للفنانة وردة.
كان والدى يحمل محبة خاصة للسادات.. لذلك كانت دموعه عليه ساخنة وحقيقية يوم مقتله فى أكتوبر 1981، وتوفى بعده بسنوات قليلة!
(2)
حسين السيد الزوج والأب لم يكن يقل روعة عنه شاعرا.. وفى حياته قصة حب مدهشة كانت بطلتها "أمى": د.نعيمة عيد أستاذ التربية وعلم النفس بجامعة عين شمس، وكانت زميلة لشقيقته بالمدرسة وجارة لهم بشارع الملكة نازلى بالعباسية، وعاش معها قصة حب طويلة تكللت بالزواج.
وبعد أن عقد قرانه عليها جاءتها منحة لدراسة الماجستير فى الخارج، فوافق على سفرها لإنجلترا بمفردها للدراسة، ويوم سفرها بالمركب كتب لها أغنية جميلة من وحى اللحظة تقول: "انتى مسافرة/ ولأول مرة تغيبى عنى/ انتى مسافرة/ ولأول مرة تروحى منى".. وأدتها معه فيما بعد الفنانة شويكار.
وظلت أمى فى لندن لمدة عامين كاملين حتى حصلت على الماجستير وعادت ليتم الزواج..وأنجبت له: "حسام وحاكم وأنا".. وكنت "دلوعته" ولا أظن أن هناك ابنة ذاقت ما ذقته من دلع وحنان، وأغنياته الثلاث الشهيرة التى غنتها صباح فى تدليل ابنتها: "أمورتى الحلوة، آكلك منين يا بطة، حبيبة أمها".. كتبها لى فى الأساس، وكان يضحك ويقول: "أنا بكتب لبنتى.. وهى بتغنى لبنتها"!

ومن الطريف أن الأستاذ فريد الأطرش غضب منه عندما قدم كلمات "أمورتى الحلوة" ليلحنها بليغ حمدى وتغنيها صباح فى فيلم "نار الشوق"، فقد كان يريد أن يكون ملحن مجموعة أغانى "البنوتة" كاملة التى غنتها صباح!
كان والدى على عكس طبيعة الرجل المصرى يريد أن تنجب له زوجته بنتا.. وعندما كانت أمى حاملا فى شقيقى الأكبر "حسام" قال لها جادا وهى فى طريقها لمستشفى الولادة: "ما ترجعيش بولد"!..وفى المرة الثانية كرر طلبه لكنها أنجبت له شقيقى "حاكم"، وهو الذى اختار له هذا الاسم الفريد، فعندما كان فى طريقه للمستشفى يوم ولادته شاهد إعلانا عن مسرحية اسمها "الحاكم بأمر الله" فقرر أن يطلقه على مولوده الثانى.. أما أنا فقد اختار لى اسما غير متداول "حامدة".. فقد أراد أن تبدأ أسماء أولاده كلهم بحرف الحاء!
كان حسين السيد رجلا مستنيرا بمعنى الكلمة، ففوق أنه سمح لأمى بأن تسافر وحدها لدراسة الماجستير فى لندن لمدة عامين، فإنه ساعدها وساندها لتحصل على الدكتوراه، وكان يسمح لها بأن تذهب إلى الجامعة وتقضى ساعات طويلة فى المكتبة ويتولى هو شئون البيت ورعاية أطفاله، وقد حدث مرة وهو يرعى شقيقى الأكبر حسام أن دخل فى نوبة بكاء حادة مطالبا بـ"ماما"، وحاول إسكاته وتهدئته وإقناعه بأن "ماما زمانها جاية".. وفجأة قفزت فى رأسه فكرة الأغنية الشهيرة التى تحمل الاسم نفسه، وراحت كلماتها تتدفق فى رأسه، وأسرع إلى التليفون يطلب صديقه المطرب والموسيقار محمد فوزى يسأله: "تحب تعمل أغنية جديدة للأطفال؟"، وكان والدى قد كتب له قبلها "ذهب الليل و طلع الفجر والعصفور صو صو"، ورحب الأستاذ فوزى بالطبع، وأكمل والدى كتابة "ماما زمانها جاية.. جاية بعد شوية.. جايبة لعب وحاجات"، لتصبح أشهر أغنية للأطفال حتى الآن!
كان والدى لديه قدرة مذهلة على التعامل بسلاسة مع الأطفال وجذبهم، وما زلت أنا وأشقائى نتذكر حواديت المساء التى كان يحكيها لنا بعد أن يتناول معنا طعام العشاء، فقد كان فى غرفته تمثال من الخشب لرجل هندى وأولاده الصغار، يأخذنا إليه ويضىء "أباجورة" ذات إضاءة خافتة تضفى جوا من الخيال، ثم يخترع حكاية عن الرجل الهندى وأطفاله، ثم يتوقف عند موقف شديد الإثارة يشعل به خيالنا، ويطلب منا أن نذهب لنكمل مذاكرتنا على أن يستكمل بقية الحدوتة فى الليلة التالية، فكنا نعد الساعات حتى نعرف ما حدث للهندى وأولاده.. كانت حكاياته أمتع وأروع من "ألف ليلة وليلة"!
(3)
كان والدى قادرا على أن يبهرك ويأتى بما لا يخطر على بالك.. كنا نعرف أنه لا يحب مباريات الكرة ولا يتابعها، على عكس والدتى التى كانت "أهلاوية" صميمة وتتفرج على مباريات الدورى وتصطحبنا ونحن أطفال لنشاهد معها مباريات الأهلى فى الاستاد، وحدث مرة أن ظهرنا مرة على شاشة التلفزيون أثناء نقل إحدى المباريات.. وذات يوم جاء والدى بورقة وقلم وجلس إلى والدتى يطلب منها أن تمليه أسماء أشهر لاعبى الكرة وقتها فى الأندية الجماهيرية، وفوجئنا بأنه كتب أغنية عن الكرة ونجومها، واشتهرت الأغنية ورددتها الجماهير وقتها وما زالت عباراتها محفورة فى ذاكرتها: "أحمد يا صالح.. حاسب من زقلط"، وعرفنا أن الأستاذ عبدالوهاب كان هو صاحب فكرة الأغنية لتسبق مباراة قمة مهمة وقتها بين الأهلى والزمالك.
أما الذى لم تعرفه الجماهير التى رددت الأغنية فهو أن مؤلفها لم يكن يفقه شيئا فى الكرة.. ولا علاقة له بمبارياتها ونجومها!
كانت متعة والدى وهوايته الحقيقية هى السينما، هى "خروجته" ومتعته، وكان يصطحبنى معه يوم السبت إلى السينما لحضور حفلة 9، وكان عمرى وقتها لا يزيد على 10 سنوات، وأذكر مرة أن مدير السينما وكان صديقه حاول تنبيهه من وراءى بأن الفيلم المعروض للكبار فقط وسمعته يهمس له: "العروسة دى ما ينفعش تدخل"!.. فقال له والدى بصوت عال: "العروسة دى مخها يوزن عشرة منك"!
كانت عنده ثقة بى بلا حدود.. وأتذكر عندما كنت تلميذة فى الصف الثانى الثانوى أن أعلنت مدرستى عن رحلة لمدة أسبوعين إلى لندن فى إجازة الصيف، وكنا فى صيف عام 1972 قبيل حرب أكتوبر، وطلبت منه السفر مع الرحلة المدرسية، واعترض أشقائى، لكنه قال بحسم : "سافرى.. أنا ربيت.. بنتى تروح فى أى حتة وما أخافش عليها"..!
لم يتدخل أبدا فى اختياراتى وقراراتى المصيرية: لا دراسة ولا عمل ولا زواج.. وأجمل ما فيه أنك كنت لا تخشى رد فعله.. عندما أحببت د. يسرى وطلب أن يتقدم للزواج منى أخبرت والدى بكل ثقة، وبكل بساطة طلب أن يمر عليه فى المكتب أولا قبل أن يأتى رسميا إلى البيت.. يومها قعدت أتصل به على تليفون المكتب لأعرف رأيه فى يسرى وكنت متأكدة أنه عنده، ومع إلحاحى رفع سماعة التليفون وقال لى فى نرفزة أبوية مصطنعة: "ما تتقلى شوية"!
وكان انطباعه إيجابيا عن يسرى من أول لقاء وقال لى وكأنه يبارك اختيارى: "أنا حاسس إنه زى حسام وحاكم"!
وكان سلسا جدا فى إجراءات الزواج، لم تكن له مطالب ولا شروط، ولم يعترض على الشقة الصغيرة المتواضعة التى بدأت فيها حياتى الزوجية، بل إنه نفسه كان يراها بداية مبشرة: "انتم لسه صغيرين..وبكرة ربنا يفتحها عليكم وتسكنوا فى فيلا"!
وكأنه كان يستعجل زواجى أنا وأخوتى ليطمئن علينا.. ثم يرحل فى سلام بعدها بشهور قليلة !
(4)
قبل يومين أو ثلاثة من رحيله اشتكى والدى من آلام فى المرارة، وكانت والدتى يومها فى دولة الإمارات، وأصر يسرى على أن نمر عليه فى مكتبه لنصطحبه إلى الطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة.. كنا يوم سبت.. وكنت مشغولة للتجهيز لأول عزومة أقوم بها لأهل زوجى فى اليوم التالى، وشعرت بإجهاد شديد فاتصلت بوالدى نحو الرابعة والنصف عصرا أستأذنه أن يأتى يسرى إليه بمفرده فوافق بلا تردد: "خلاص ما تتعبيش نفسك" (ولم أكن أعرف أنها آخر مكالمة بينى وبينه)!!
ولا أعرف كذلك لماذا غيرت رأيى بعدها بدقائق، وأخبرت يسرى بأننى سأذهب معه، وبالفعل وصلنا إلى مكتبه بميدان الأوبرا.
كان والدى يقتنى "بغبغان" أصليا جميل اللون والمنظر، وكان يستطيع بحكم العشرة الطويلة التى زادت على عشر سنوات بأن يقلد صوت والدى تماما، ولما ضربت الجرس لم يفتح والدى وطال انتظارنا، وكنت متأكدة أنه بالداخل: فالنور مضاء، ولا يمكن ان يخرج وهو يعرف أن يسرى سيمر عليه. ثم إننى أسمع صوت البغبغان فى الداخل، وأصحاب الخبرات فى تربية البغبغانات يعرفون أنه لا يمكن أن يتكلم فى غياب صاحبه وما دام بمفرده!
تصورت فى البداية أن والدى يتكلم فى التليفون، ثم أدركت أنه صوت البغبغان، ولم يُفتح الباب، لحظتها تملكنى خوف شديد، وصممت أن نكسر شراعة الباب ونفتحه، ودخلنا فى حالة من الفزع فوجدنا والدى راقدا على الأرض وفوقه البغبغان يكلمه، واكتشفنا أنه أصيب بجلطة وطلبنا سيارة الإسعاف ونقلناه إلى مستشفى قصر العينى بقسم الحالات الحرجة، وبعد ان فحص د. ساهر هاشم حالته صارحنا:" حتى لو أفلت من الجلطة فإنها ستترك آثارا شديدة ولن يستطيع أن يسير على قدميه من جديد".
ساعتها تمنيت ألا يكتب الله على والدى تلك المحنة التى كنت أعرف أنه لن يتحملها، وهو الذى عاش عمره متأنقا لا يخرج من بيته ولا يراه الناس إلا وهو فى كامل أبهته وأناقته.. وكان الله رحيما به فأسلم الروح بعدها بيومين (27 فبراير 1985).. ليرحل حسين السيد تاجر السعادة!

 

 

 

 

 

 

 

Please publish modules in offcanvas position.